تمكنت ما كان يسمى بالجبهة القومية من استقطاب بعض شباب حضرموت الدارسين بالخارج منذ نهاية الخمسينيات، ثم دفعتهم لإسقاط منطقتهم وتسليمها للآخرين دون أي تحفظ أو تقدير للعواقب، هذه الجبهة لم تقدر لحضرموت انقيادها لثوارها، وتخليها عن مشروعها لإقامة دولة اتحادية أعلن عن دستورها ولم يكن ينقصه سوى الاستفتاء، وقبولهم الطوعي بالوحدة مع مناطق الجنوب اليمني، ومن ثم الدعوة إلى وحدة يمنية بالانضمام إلى الجزء الآخر السباق إلى التحرر من الوجود الأجنبي والتخلص من الحكم الوراثي.
لقد عملت الجبهة القومية ومن بعدها الحزب الاشتراكي على طمس حضور حضرموت وإلغاء شخصيتها، والتنكر لتراثها الثقافي تحت دعوى غرس وتجذير الهوية اليمنية الجديدة العامة، فقد سيطرت على حكومات ما بعد الاستقلال رؤية ضعف انتماء حضرموت إلى النسيج اليمني العام، ويقول الدكتور محمد حسن العيدروس: أن تلك الحكومات الجنوبية قد "تولد عندها شعور نفسي أن الحضارم منعزلون عن سائر المحافظات".
وكان أدباء حضرموت في قصائدهم يبدون تعاطفهم، بل يظهرون حماسهم، لما يعتمل في الجنوب، ولاسيما في منطقة ردفان، ومن هؤلاء الشاعر محمد سالم الحامد يقول:
الأشـم الفرد ردفــــان الذي طأطأت منه البطولات الجباها
أشعلوا الدنيا جحيمًا ورموا ببني السكسون في قعر لظاها
وفرح الناس في عدن باستقبال زعماء الجبهة القومية لدى عودتهم بالاستقلال من جنيف، وفيهم بعض الحضارم، ويعبر عن تلك الفرحة الشاعر محمد عوض باوزير بقوله:
ومع الصبح في الثلاثين من نو فمبر استقبل الرجال رجالا
قادة الجبهة الذين تسـاموا رفعة بين شـعبهم وجلالا
خرجوا من بلادهم طلبًا للـ ـعز حتى عادوا لها أبطالا
ونرى الشاعر عبد الله الناخبي يخاطب جاره الجنوبي يوصيه بالوفاء بعهد الشراكة في بناء الوطن الموحد:
يابن الجـنوب أنـا وأنـ ـت لخدمة الأوطان جندي
اللّــه وحّــــــــــــــــــــــد بيـننا اللّـه ألزمــــــــــــــــــــــــــــــنا بعهـد
قـم بالوفـــــــاء فـإنـني آليـت أن أوفي بوعـدي
وكأنما كانت لدى الشاعر فراسة جعلته يتوجس لنُذُر القادم، ولكنه لم يجد ذلك الوفاء الذي كان من طرف واحد فقط هو الطرف الحضرمي، وأصبح الشاعر نفسه بعد سنوات قليلة طريدًا عن وطنه غريبًا في منفاه القسري.
لفد امتازت مرحلة ما بعد الاستقلال سياسيَّا بحدة الصراع والمواجهة بين أجنحة التنظيم السياسي الحاكم (الجبهة القومية) بين يمين ويسار، وتحول الوضع في الدولة الوليدة كما وصفه أحد صانعيها، وهو خالد باراس: "ثورة تأكل أبناءها، وكارثة حقيقية حلت بوطن وشعب"، كما وصف ذلك الانقسام صانع آخر هو الشاعر خالد عبد العزيز حيث قال على لسان الجبهة القومية:
حتى إذا خـلت أني آنسـت في الأفـق برّا
تناوشــــــــــــتني يمــــــين ومزقـتني ويســـــــــــــرى
ومــــــت ما بين هـــــذا وذا وأشـياء أخرى
وفرضت القيود على حرية القول والفكر إلا بما يخدم سياسات السلطة اليسارية الحاكمة، ويتوافق مع رؤى ساستها المتأثرين بالفكر المادي الاشتراكي؛ لذا فقدت الحركة الأدبية تأثيرها في الجمهور الحضرمي الذي لم يستسغ تلك الأفكار الدخيلة على موروثه الثقافي والفكري، ولم يتجاوب معها، وهي حالة يصفها المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف بقوله: "إن حركة الثقافة والأدب لم تكن مؤثرة في أوساط الجماهير، فما نقوله نحن المثقفين والأدباء ليس إلا أصداء لما يقوله الساسة، السياسيون وحدهم المؤثرون، أما الأدباء والمثقفون فليس لهم يد في هذا التأثير".
ويصف الشاعر أحمد بن زين بلفقيه تلك الحالة البائسة فيقول:
عطلت يقظة الضمير وشلت في النفوس الطبيعة البشرية
كبحت همة الرجال، وحدت من نتاج النـبوغ والعبقرية
وتلاشت مباهج العيش في النا س وماتت فينا الشـاعرية
لذا فقد لجأ أكثر أدباء حضرموت إلى المهجر، وبعضهم انكفأ على نفسه، وخفت صوت الأدب والنقد إلى حد كبير بسبب سيطرة نهج الحزب الواحد على مقدرات البلاد وثقافتها، فالطرح الاشتراكي لم يلق إلا قبولاً ضيقًا بين الحضارم، فقد نفروا من هذا الفكر الغريب عن نبض أمتهم، والبعيد عن ميراثها الحضاري والروحي، وعندما زار علي أحمد باكثير موطنه بعد غيبة طويلة عنه فوجئ بتلك الأطروحات التي يعلم جيدًا أنها لن تتناسب مع مجتمع حضرموت، وبعد رجوعه عبّر عن انزعاجه مما تروج له الصحف بقوله: "أزعجني من الكتابة الصحفية هناك أنهم يحتذون نماذج غير صالحة للمنطقة، فيها اتجاهات لا أرضى عنها".
وقد كان المؤرخ سعيد عوض باوزير من أوائل من حذر في شعره من كارثة الاشتراكية على نهضة حضرموت الحديثة، حيث نجده يقول ناصحًا قومه قبل أربع سنوات من حلول الكارثة:
صونوا بها شعبكم من أي كارثة تزفـها لكم كوبا وروســــــــــــيها
وبادروا قبل أن تأتي اشتراكية نادى بها قبل أعـوام مناديها
ولقد تحقق ما حذر منه باوزير فوقعت الكارثة التي بلغت ذروتها في منتصف يوليو 1972 كما يقول المؤرخ كرامة بامؤمن: عندما "سير التنظيم السياسي الجبهة القومية الحاكم قافلة كقافلة هولاكو التتارية على شكل مسيرات هائجة اجتاحت وادي حضرموت"، فرافق هذا الاجتياح عمليات سحل واختطاف واعتقالات في الوادي، زامنها اعتقالات في المكلا وغيرها لكل من يحتج من علماء ومثقفين وشيوخ قبائل، ولم تكتف تلك الحملة بذلك، بل عبرت عن مدى جهل قادتها حين امتدت أياديهم "لتحرق وتنهب وتلقي في الآبار أمهات الكتب"، سواء منها المطبوعة أو الخطية بعد أن كانت مصونة في مكتبات أربابها لدهور متطاولة.
ونالت مدينة تريم النصيب الأكبر من ذلك الاجتياح، فيصف حالها المؤرخ أحمد عبد الله بن شهاب بقوله: "أسكتت الألسن، وكممت الأفواه، وصارت الشوارع رعبًا خالية إلا من المتسكعين، واستحلت الخمرة، وانتهكت الأعراض دون حياء، وأصبحت المدينة صراخًا وعواء"، وعقب ذلك هاجر رجال العلم والثقافة وجرى الإجهاز على النهضة التي كانت تتشكل في حضرموت قبيل إسقاطها على حين غفلة من أهلها.
وقلة هم الشعراء الذين وقفوا أمام تلك الفظائع يصفونها، ويسجلون آثارها الوخيمة في حضرموت، فضلاً عن أن يتجرأ أحدهم على التنديد بها وبمرتكبيها، وهم محمد عوض باوزير، ومحمد جبران، وحامد السري، وأحمد بلفقيه، وعمر البار وآخرون، يقول جبران، وقد اختار الحجاز منفى له،:
هم شـردوا خـير الرجا ل ذوي الكفـاءة والمهـارة
كن جـاهلاً ثـم التـزم فلسوف تحـظى بالصـدارة
والأمـر أمـرك يا رفيـ ـق وأنت مسـئول الإدارة
تسـلطوا فيـنا الرعـا ع وجرعوا الشـعب المرارة
ويصف عمر حسين البار الحالة التي وصل إليها المواطن في ظل حكم الرفاق:
وما جدوى الشعارات الـ ـتي رددتــــــــــــــــــــــها حقبا
وماذا قــــــــــــــــــــــــــــدم الثــوا ر إلا الزيــــــــف والكذبا
وما تبغي وقد هـــــتك الـ ـرفاق الســـــتر والحجبا
وقـــد كانت دعــــــــــاواهم تفـــــــــــوق بلاغة الخطبا
ووصل بالشاعر نجيب باوزير أن فضل عليهم عودة حكم المستعمر فقال:
قد أرادوا للخلــــــف أن يرجعونا شأنهم مــنذ أن تولوا الولاية
كم أردنا اســـــــــــــــــتقلالنا غير أنا إذ عرفناهمو بكينا الحماية
ومن المهاجرين الشاعر حامد السري، يشتاق لمدينته تريم فيود لو يعود إليها، يقول:
ولكن بها قوم طغاة قد استووا على أرضنا الغنا فصارت فيـافيا
وصار بنوها يجهلون مصيرهم كأنهـم مـاء أضـاع المجـاريا
وصدق الشاعر، فبنو حضرموت منذ ذلك الحين وهم في كرب عسير، يتخبطون في المسير، ويجهلون المصير.